ابراهيم بن عمر البقاعي
50
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
إيجاد المشي عند الإضاءة أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ مبادرين إلى ذلك حراصا عليه لا يفترون عنه في وقت من أوقات الإضاءة مع أنهم يغضون أبصارهم ولا يمدونها غاية المد خوفا عليهم ووقوفا مع الأسباب ووثوقا بها واعتمادا عليها وغفلة عن رب الأرباب ، وهو مثل لما وجدوا من القرآن موافقا لآرائهم ، وعطف بإذا لتحقق خفوته بعد خفوته قوله : وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أي أول حين الإظلام لا يقدرون على التقدم خطوة واحدة إشارة إلى أنه ليست لهم بصائر يسيرون بها فيما كشف البرق لأبصارهم من الأرض قبل الإظلام بل حال انقطاع اللمعان يقفون لعمى بصائرهم ووحشتهم وجبنهم وغربتهم وشدة جزعهم وحيرتهم ، وهكذا حال هؤلاء لا يقيسون ما أشكل عليهم من القرآن على ما فهموه . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ الذي له العظمة الباهرة مع شدة حرصهم وتناهي جزعهم ، ودل على مفعول شاء بقوله : لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ أي بقاصف الرعد ولم يغنهم سدّ آذانهم وَأَبْصارِهِمْ بخاطف البرق ولم يمنعه غضّهم لها ، ثم علل ذلك بقوله : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له جميع صفات الكمال عَلى كُلِّ شَيْءٍ أي مشيء أي يصح أن تقع عليه المشيئة هذا المراد وإن كان الشيء كما قال سيبويه يقع على كل ما أخبر عنه ، وهو أعم العام كما أن اللّه أخص الخاص ، يجري على الجسم والعرض والقديم والمعدوم والمحال ، وقول الأشاعرة : إن المعدوم ليس بشيء ، بمعنى أنه ليس بثابت في الأعيان متميز فيها قَدِيرٌ إعلاما بأن قدرته لا تتقيد بالأسباب ، قال الحرالي : القدرة إظهار الشيء من غير سبب ظاهر - انتهى . ولعله سبحانه قدم المثل الأول لأنه كالجزء من الثاني ، أو لأنه مثل المنافقين ، جعلت مدة صباهم بنموهم وازدياد عقولهم استيقادا مع جعل اللّه إياهم على الفطرة القويمة وزمان بلوغهم بتمام العقل الغريزي إضاءة ؛ والثاني مثل المنافقين وهو أبلغ . لأن الضلال فيه أشنع وأفظع . فالصيب القرآن الذي انقادوا له ظاهرا ، والظلمات متشابهه ، والصواعق وعيده ، والبرق وعده ، كلما أنذروا بوعيد انقطعت قلوبهم خوفا يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [ المنافقون : 4 ] وكلما بشروا انقادوا رجاء ، وإذا عرض المتشابه وقفوا تحيرا وجفاء وكل ذلك وقوفا مع الدنيا وانقطاعا إليها ، لا نفوذ لهم إلى ما وراءها أصلا ، بل هم كالأنعام ، لا نظر لهم إلى ما سوى الجزئيات والأمور المشاهدات ، فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [ النساء : 141 ] يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً [ النساء : 73 ] والكلام الجامع النافع في ذلك أن يقال إنه سبحانه شبّه في الأول مثلهم بمثل المستوقد لا بالمستوقد ، وفي الثاني شبه مثلهم في خوفهم اللازم